ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )
97
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )
كانا أعلم باللّه من ذلك وأصح أفهاما ، أفترى فهم أحد من قول اللّه تعالى : وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى ونظائره ، أي إنما نهيتكم عن اجتماعكم على ذلك دون انفراد كل واحد منكم به ، فيا للعجب من أوراق وقلوب تسود على هذه الهذيانات « 1 » . والصواب أن يقول : إن آدم لما قاسمه عدو اللّه أنه ناصح له ، وأخرج الكلام على أنواع متعددة من التأكد ؛ أحدها : القسم ، الثاني : الإتيان بجملة اسمية لا فعلية ، والثالث : تصديرها بأداة التأكد أحدها القسم ، الرابع : الإتيان بلام التأكيد في الخبر ؛ الخامس : الإتيان به اسم فاعل لا فعلا دالا على الحديث ؛ والسادس : تقديم المعمول فيه . ولم يكن آدم يظن أن أحدا يقسم باللّه كاذبا غموسا يتجرأ فيها هذه الجرأة ، فغره عدو اللّه بهذا التأكد ، فظن آدم صدقه ، وأنه إن أكل منها لم يخرج من الجنة ؛ ورأى أن الأكل وإن كان فيه مفسدة فمصلحة الخلود أرجح ، ولعله يتهيأ له استدراك مفسده النهي في أثناء ذلك ، إما باعتذار وإما بتوبة ، كما تجد هذا التأويل قائما في نفس كل مؤمن أقدم على المعصية « 2 » .
--> ( 1 ) وقالت طائفة : أكلها ناسيا ، ومن الممكن أنهما نسيا الوعيد على الأكل ، قال القرطبي : وهذا هو الصحيح قال : لإخبار اللّه تعالى حيث قال : وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ( طه : 155 ) ، ولكن لما كان الأنبياء عليهم السلام يلزمهم التيقظ والتحفظ لكثرة معارفهم وعلو منازلهم ، كان تشاغله عن تذكر النهى تضييعا صار به مخالفا . قال أبو أمامة : لو أن أحلام بني آدم منذ خلق اللّه الخلق إلى يوم القيامة وضعت في كفة ميزان ، ووضع حلم آدم في كفة أخرى لرجحهم ، وقد قال اللّه تعالى : وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ، ويحتمل أن يخص من عموم كلام أبي أمامة نبينا صلى اللّه عليه وسلم فإنه كان أوفر الناس حلما وعقلا ، وقال القرطبي : ويحتمل أن يخص منه الأنبياء عليهم السلام ا . ه المصدر السابق . ( 2 ) وذكر هذا القول الشيخ ابن مفلح في كتابه « مصائب الإنسان » وعزاه لشيخ الإسلام ابن تيمية ونقل أيضا عن أبي محمد بن حزم في « الملل والنحل » قال : لا براءة من المعصية أعظم من حال من ظن أن أحدا لا يحلف حانثا ، وهكذا فعل آدم عليه السلام ، فإنه أكل من الشجرة التي نهاه اللّه عنها ناسيا لنص القرآن ومتأولا وقاصدا إلى الخير ، لأنه قدر أنه يزداد حظوة عند اللّه فيكون ملكا مقربا أو خالدا فيما هو فيه أبدا ، فأداه ذلك إلى